عبد المهدي ومقاومة الصورة النمطية (Stereotype)

عبد الحسين الهنين

مرّت ثمانية أشهر على تشكيل الحكومة  برئاسة عادل عبد المهدي، وظهر تقرير الإنجاز الحكومي للستة اشهر الأولى من عمرها الذي تضمن نسب انجاز عالية  تصل الى  79.29 %  مما نقل مفهوم التقييم الشائع والنمطي

(Stereotype) في العراق من الانطباعات الى مفهوم موضوعي يعتمد الأرقام والنسب الدقيقة، الأمر الذي اوقف الكثير من الجدل حول أداء الحكومة  رغم اصرار القلة على  ان الحكومة مازالت خطواتها متأنية، رغم اعترافهم بعدم وجود اخطاء جوهرية لها، وانها  تسير ضمن خطة واضحة، وبمسارٍ خطي يتصاعد بثبات، ومع ذلك مازالت الأصوات العالية في الاعلام تصر على محاسبة رئيس الحكومة وفق مقياس الشعارات الحماسية العريضة التي سارت عليها الدولة العراقية ابان الحقبة الدكتاتورية رغم  فشلها ورغم انهم لا يخالفون الرأي القائل بفشل تلك الحقبة الشمولية التي جلبت الحروب والفقر والدمار فضلا عن انها لم تصمد أمام غزو خارجي لان النظام كان منفصلا عن الشعب الذي يكن كراهية شديدة له،
وكذلك فان رأيهم  يناقض الاسباب التي تم اختيار رئيس الحكومة وفقها التي تتضمن انتاج نماذج اقتصادية تنقل العراق من فخ الدولة الريعية احادية المصدر الى دولة يشارك جميع مواطنيها  في انتاج الدخل القومي للبلاد وهو أمر نجح في سنغافورة على يد (لي كوان يو) وفي ماليزيا على يد (مهاتير محمد) أو النموذج الصيني الذي بدأه (دنك شياو بنك) عام 1979  لكن بصبر وثقة وضعها الشعب فيهم والتفاف النخب حول منهج بناء الدولة .
صحيح أن حال العراق اليوم لا يشكل حالاً مثالياً، لكنه يسير في الطريق الصحيح وبشكل متنامِ  وتشير مؤسسة (Fund For Peace) الأميركية الى ان العراق هو ثاني اسرع دولة في العالم تعافيا، ويؤشر  نفس ألأمر عدد كبير من المطّلعين على تفاصيل ما أنجزته الحكومة خلال الشهور الثمانية من عمرها نقداً مباشراً يشير الى أن حكومة عبد المهدي ينقصها الأداء الإعلامي المروّج والمعرّف بعملها ومنجزها، كي يقف بمثابة مَصدّ موضوعي تجاه الحَملات التي بدأت بعض الكتل السياسية إطلاقها، لا لشيء سوى لأنها مدفوعة بالخوف من نجاح الحكومة،  إذ لم تشهد الأرقام القياسية في إنتاج الطاقة الكهربائية تسويقاً وتعريفاً يتناسب معها، فقد تجاوز العراق لأوّل مرّة في تاريخه عتبة الـ 18000 ميكاواط في الإنتاج، وهي تعني
زيادة 27 % على إنتاج العام الماضي  مع الاعتراف بوجود نواقص واختناقات في مفاصل شبكة النقل والتوزيع، وكذلك لم يسلط الضوء بشكل كافٍ على تسلم  4.3 مليون طن من القمح في مقابل 2.15 طن جرى تسلّمها من المزارعين العام الماضي ولنفس الفترة، أي بزيادة مقدارها 100 %، وهو الخبر الذي نال اهتماما عالميا ودخل ضمن متغيرات مجلس الحبوب العالمي  ( International Grains Council)، عزته ادارة محترفة لملف المياه والسيول ثم تسليم المزارعين أموالهم من دون وسيط خلال مدة قياسية ضمن قرار اتخذه رئيس الحكومة في دعم مخرجات الإنتاج، الأمر الذي منع الفساد ومنع الطفيليين من استغلال المزارعين مما يعزز من القدرة  في الحد من الفساد  في هذا القطاع الحيوي، وهو الأمر الذي سيحفزهم على خوض موسم زراعي واعد وواسع الإنتاج للعام المقبل. وقد بدأت بالفعل تحضيرات زراعة الرز للموسم المقبل بشكل كثيف ويتوقع ان تزيد النسبة  400 % عن العام الماضي، ومثل ذلك قرارات تحفيز الاستثمار التي صدرت أخيرا لتساعد بجذب استثمارات محلية وأجنبية وإعادة العمل بعشرات المشاريع المتلكئة منذ سنين التي بذلت فيها مليارات الدولارات وكانت مجمّدة ومعرضة للاندثار ومنها 6 مستشفيات كبرى بسعة أكثر من 400 سرير لكل منها ستفتتح نهاية العام الحالي، وستضيف أكثر من 2000 سرير لقدرة المستشفيات العامة، وكذلك فان ازمة السيول ليست أقل تعقيداً وهي مثال لنجاح القُدرات العراقية في إدارتها، وتحديد مصادر التلوّث والحد منها ثم تقليلها. وواجهت الحكومة تحدياً آخر تعاملت معه بحزم تمثل في مواجهة مافيات الأدوية والعلاجات وقد نجحت في تجاوزها الى حد كبير وتمكنت من تحسين إدارة الأموال المصروفة بهذا المجال والسيطرة الفعالة على عمليات الشراء. وقد تم توفير 80 % من الأدوية الأساسية الحاكمة الواجب توفيرها وفي مقدمتها أدوية السرطان التي كانت مفقودة ولم  يكن متوفرا منها قبل تشكيل الحكومة سوى 12 % من الاحتياج الفعلي. وكان أكثر من نصفها مفقوداً تماماً بسبب الفساد والسماسرة والعمل  جار على توفير ما تبقى منها خلال أسابيع وليس شهوراً من الآن، ويشكل قرار طباعة الكتب المدرسية داخل العراق مفصلا في محاربة الفساد ومنع هدر اكثر من 80 مليار دينار فضلا عن تشغيل الاف العاملين في قطاع المطابع .
وتطبيقا لفلسفة رئيس الوزراء في ترسيخ الأمن وجذب الاستثمارات، فقد تمكن العراق خلال مدة قصيرة من عمر الحكومة من إقامة افضل العلاقات مع دول الجوار والمجتمع الدولي بشكل غير مسبوق ووصف سياسيون محترفون السياسة الخارجية الحالية للعراق بأنها الأفضل في تاريخ العراق، مما وضع العراق في مكانة دولية وفي مقام بارز بين الأمم، وصار الموقف العراقي مطلوباً دولياً وإقليمياً ومحترماً من الجميع. بل إن الموقف العراقي صار مفتاحاً لحل مشاكل المنطقة بعد أن كان الاخرون يجتمعون لحل مشاكل العراق من دون استشارته، وتشكل الاتفاقات الأخيرة مع عدد من دول العالم مؤشراً لثقة العراقيين بأنفسهم في تجسيد نظرية الحرية الاقتصادية التي تجلب فرص العمل والتنمية ضمن منافسة حرّة، ومن خلالها ربح العراق كلفة الأمن ومحفزات الاستثمار مما يعزز من موقع العراق في مؤشر الحرية الاقتصادية (Index of Economic Freedom)، الأمر الذي يقلل من كلف التأمين والمخاطر في العراق ويرتقي بسمعة البيئة الاقتصادية الاستثمارية فيه،   ورغم ان العراق  يسير في حقول من الألغام، لكنه اليوم يخطو خطوات متزنة وواثقة وسط الصراعات الإقليمية وعلى وجه الخصوص النزاع الإيراني الأميركي بتناغم كبير وتعاون وتكامل بين الرئاسات الثلاث .
وعلى الصعيد الأمني والجمالي، هناك من خصص الكثير من جهده ووقته للتقليل من شأن ومعنى إزالة الحواجز والعوارض الكونكريتية عن وجه الاسواق والمصالح والشوارع في بغداد، إلّا أن الارتياح الشعبي كان أوضح من أن يشوش إذ تنفس الناس الصُعداء وهم يتجولون في شوارع لم يشاهدوها منذ 16 عاماً وتراجعت حالات الابتزاز التي مارستها بعض السيطرات الى الحد الأدنى وأزيلت الاختناقات وكانت النتائج إيجابية تماماً في الجانب النفسي والاقتصادي وقد كتبت الصحافة العالمية تقارير عن هذه الخطوة التي أسهمت في تغيير الانطباع عن العراق وجذب المستثمرين والاستثمارات التي ستوفر فرص عمل كبيرة وتمثل حلاً اقتصاديا حقيقياً.
وفي جانب السياسة النقدية، ازدادت احتياطيات البنك المركزي العراقي لتبلغ ما يقرب من 70 مليار دولار بعد أن هبطت في فترات سابقة الى 40 مليارا وقد تلاشت الفجوة بين سعر صرف الدولار الرسمي وسعره في السوق الموازي  وتم تقليص الاعتماد على الديون والبدء بتسديد قسم منها، وهو الأمر الذي يشكل تحولاً كبيراً في رسم سياسة نقدية ومالية راسخة واثقة من قدرة الاقتصاد العراقي جعلت من العراق عنصراً مؤثراً في السوق العالمية .
ويشكل توطين الرواتب عنصرا الكترونياً مهماً في محاربة منظومة الفساد التي انتجت الفاسدين وستنتج المزيد منهم إذا لم تعالج المشكلة من أصلها  وقد أنجزت الحكومة بالفعل توطين
اكثر من 30 % من الرواتب وستصل النسبة الى 50 % قبل نهاية العام الحالي  وشملت منتسبي القوات المسلحة ليشكل زخما تقنيا في مكافحة الفساد وايجاد القيود الشديدة على ممارساته من خلال اتمتة الاجراءات والانتقال الى الحوكمة الكترونية التي وضع لها جدول زمني واضح في المنهاج الحكومي وما يوازيه من عمل يرتكز  الى وضع النماذج  الاقتصادية الرياضية موضع التنفيذ، التي لن يكون آخرها مشروع المدن الجديدة المطورة (حويصلات المدن) التي تهتم بالطبقات المحرومة ومشاريع الطاقة المتجددة، وتقنيات الري الحديثة، والمدن الصناعية والمجلس الأعلى للاعمار والاستثمار وصندوق الانماء الزراعي الذي يدعم مخرجات الإنتاج  وانشاء صناديق الاعمار المشتركة التي كان اولها صندوق الاعمار (العراقي – الصيني)، ويتوقع ان يليه (العراقي – الأميركي ). وهناك العديد من الدول شعرت بانها تأخرت كثيرا عن الصين وهي تسعى للالتحاق بالسوق العراقية ومنها دول اوربية واسيوية كثيرة (بريطانيا، فرنسا، المانيا، اليابان وغيرها) مما رسم افقاً واضحاً في المباشرة بمشاريع كبرى في البنى التحتية خلال الأشهر القادمة تتضمن الطرق السريعة والموانئ والمستشفيات والمطارات والقطار المعلّق في بغداد… الخ .
هذه الخطوات وغيرها ستسندها فلسفة جديدة لموازنة 2020 وما يليها من سنين وتحويلها من موازنة للبنود والمتواليات العددية الى موازنة للأهداف والبرامج  بالاعتماد على سعرين للنفط (ثابت ومتحرك)  وهو ما سينتقل بالموازنة الى موازنة للمشاريع والأداء، وقد جرى بالفعل إنجاز قسم مهم من هذه الموازنة الطموحة لتحويل وجود النفط الى ميزة إيجابية مهمة للبلد، بدلاً من الاستخدام السيئ له، الذي جعله عبئاً
ثقيلا على السياسة والاقتصاد والاجتماع وعلى المسار العام للدولة ومكوناتها المختلفة، بل وعلى المنطقة بأكملها، ولهذا فان ما يقوم به رئيس الحكومة  لغاية الآن هو صنع الأمل في مستقبل الديمقراطية الناشئة  وهو أمل مرتبط بصورة مباشرة بوسائل تفكيك النظام الريعي وتحويل الدولة من (جمعية خيرية) الى دولة يشترك كل مواطنيها في التنمية الشاملة رغم المقاومة الهائلة التي تضع العراقيل امامه من قبل قوى ادمنت الشمولية ونمطية  التفكير،  ومنها  مازال يرى أن فشل النظام السياسي الحالي في العراق هو الاثبات الوحيد على انها تمثل حالة مناسبة لحكم العراقيين.
إن عراق العام 2019  وما بعده لن يشبه العراق  بنموذجه القديم الذي بني بعد تأسيس الدولة العراقية عام  1921، او ما بعد العهد الجمهوري وما تلاه من أنظمة اقتصادية وسياسية مشوّهه رغم  ان العراق شهد  بعد التغيير حرباً عالمية ضد الإرهاب اندلعت  كرد فعلٍ مقاوم للتغيير ثم  وصلت ذروتها بظهور داعش الذي لم يشكل  خطراً على العراق  فحسب بل على المنطقة والعالم بأسره لكن تضحيات العراقيين بعد فتوى المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف وبمساعدة الاصدقاء من العالم،  شكّلت الفاصل والمحرّك الرئيس في انقاذ البشرية من تمدد الارهاب الى بقية اركان العالم .
 ان عبد المهدي  لو منح الوقت الكافي وهو وقت قصير مقارنة بما ضاع من سنين فلن يختلف عن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الذين وقعوا على إعلان الاستقلال في عام 1776 أو الذين شاركوا في الثورة الأميركية ونيل الاستقلال عن المملكة المتحدة. ومنهم ايضا من أسهم في صياغة الدستور في 1787-1788، ومن  أسهم في بناء حكومة جديدة بموجب الدستور، فقد قام الرجل بنفس الدور في العراق مع ثلّة من الأوفياء لمنهج الدولة، ومثلما يقول توماس جيفرسون أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة:”ان التقدم الطبيعي للأمور هو أن تسفر الحرّية عن حكومة قادرة على القيام على أرض الواقع”، وهو ما يقوم به بالفعل رغم المناهضة الشديدة من الذين يرون أن حصولهم على موقع وزاري أهمّ من مستقبل بلد كامل.